عاد مشروع المونوريل في مصر إلى صدارة الجدل العام مجددًا، مع بدء تشغيل المرحلة الأولى من “مونوريل شرق النيل” الممتدة من محطة المشير طنطاوي وحتى محطة العدالة بالعاصمة الإدارية الجديدة، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى جدوى المشروع الاقتصادية، وقدرته الفعلية على حل أزمات النقل اليومية التي يعاني منها ملايين المواطنين، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وضغوطًا معيشية غير مسبوقة.

 

ورغم تقديم المشروع باعتباره أحد أبرز مشروعات النقل الحضاري الحديثة التي تستهدف تطوير البنية التحتية وربط المدن الجديدة بالقاهرة الكبرى، إلا أن موجة واسعة من الانتقادات طالت طبيعة المشروع وموقع تنفيذه، حيث يرى منتقدون أن المونوريل لا يخدم حاليًا المناطق الأكثر ازدحامًا أو احتياجًا لوسائل نقل جماعي فعالة، بقدر ما يركز على مناطق عمرانية جديدة لا تزال بعيدة عن الكثافات السكانية الضخمة.

 

جدل الأولويات.. هل تحتاج القاهرة “مونوريل” أم تطوير المواصلات التقليدية؟

 

يرى خبراء ومتابعون أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بفكرة المونوريل نفسها، وإنما بترتيب أولويات الإنفاق العام، خاصة في ظل الأعباء الاقتصادية الحالية وارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

 

ويؤكد منتقدو المشروع أن ملايين المصريين لا يزالون يعانون يوميًا من تدهور خدمات النقل التقليدية، سواء في قطارات السكك الحديدية أو خطوط المترو والحافلات العامة، الأمر الذي يجعل تخصيص مليارات الجنيهات لمشروع جديد في مناطق غير مكتظة محل تساؤل واسع.

 

وفي هذا السياق، انتقد الإعلامي طارق أبوشريفة والإعلامية هبة مصطفى، خلال برنامج “كل يوم” المذاع على قناة الشرق، التوسع في المشروع، معتبرين أن فلسفة المونوريل عالميًا ترتبط عادة بالمدن شديدة التكدس، التي يصعب فيها إنشاء خطوط مترو أو قطارات تقليدية بسبب ضيق المساحات والكثافات السكانية المرتفعة.

 

وأوضحا أن التجارب العالمية، خصوصًا في المدن الآسيوية الكبرى، جاءت استجابة لضغط مروري هائل داخل المدن، بينما يمتد المونوريل المصري حاليًا عبر مناطق عمرانية جديدة لم تصل بعد إلى مستويات الكثافة التي تبرر هذه التكلفة الضخمة.

 

 

“قطار الأثرياء”.. اتهامات بخدمة المدن الجديدة على حساب المواطن العادي

 

وصف بعض المنتقدين المشروع بأنه “قطار للأثرياء”، معتبرين أن خطوطه الحالية تستهدف بالأساس ربط العاصمة الإدارية والتجمعات السكنية الحديثة، وهي مناطق لا تمثل الكثافة السكانية الأكبر داخل القاهرة الكبرى.

 

ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن الحكومة تمنح أولوية واضحة لتطوير المدن الجديدة ومشروعاتها العقارية، بينما تعاني أحياء القاهرة والجيزة والمناطق الشعبية من اختناقات مرورية مزمنة وتراجع في كفاءة البنية الأساسية للنقل العام.

 

كما يرى متخصصون في التخطيط العمراني أن نجاح أي مشروع نقل جماعي يرتبط بقدرته على خدمة أكبر عدد ممكن من المواطنين يوميًا، وهو ما يطرح تساؤلات حول معدلات الإقبال المتوقعة على المونوريل مقارنة بحجم الإنفاق الضخم الذي تم توجيهه للمشروع.

 

تكلفة التشغيل والصيانة تثير المخاوف

 

ولا تتوقف الانتقادات عند موقع المشروع فقط، بل تمتد إلى التكاليف التشغيلية والصيانة الدورية التي يُتوقع أن تتحملها الدولة خلال السنوات المقبلة، خاصة أن المونوريل يعتمد على تكنولوجيا حديثة ومعدات مستوردة ترتبط بشكل مباشر بأسعار العملات الأجنبية.

 

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار الاعتماد على مشروعات مرتفعة التكلفة التشغيلية قد يضيف أعباء جديدة على الموازنة العامة، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تقليص فاتورة الدعم وخفض الإنفاق الحكومي.

 

كما تثار تساؤلات متكررة بشأن آليات استرداد تكلفة المشروع، ومدى قدرة أسعار التذاكر المستقبلية على تغطية نفقات التشغيل دون تحميل المواطنين أعباء إضافية، خصوصًا مع محدودية القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.